البطالة

0

یعبر المفهوم الإقتصادي للبطالة عن عدم قدرة الإقتصاد بما فیه من منشآت ومؤسسات عامة وخاصة على توفیر فرص العمل الكافیة لإستیعاب من هم في سن العمل وقادرون علیه ویبحثون عنه ولا یحصلون علیه (المتعطلین عن العمل). ویعرف المتعطلین عن العمل بأنهم “جمیع الأشخاص فوق سن العمل، ممن لا یعملون بالأجر أو لا یعملون لحسابهم الخاص، والمتوفرون للعمل بأجر أو لحسابهم الخاص، واتخذوا خطوات محددة بحثاً عن العمل بأجر أو لحسابهم الخاص”. وتعتبر مشكلة البطالة مشكلة عالمیة تعاني منها إقتصادیات الدول المتقدمة والنامیة على حد سواء، ولكن مع مراعاة الفروق الواضحة في حدة هذه المشكلة بین المجموعتین. وتعتبر ظاهرة البطالة في أسواق العمل العربیة من أبرز التحدیات التي تواجه هذه الإقتصادیات، وذلك لما لها من تأثیر على المستوى المعیشي لیس للمتعطلین عن العمل فقط، بل وعلى أسرهم.

وترتبط البطالة بشكل كبیر بظاهرة إقتصادیة وٕاجتماعیة ٕ وانسانیة أخرى هي ظاهرة الفقر. ویعود ذلك إلى أن البطالة من أهم أسباب إنخفاض الإنتاجیة، كما أنها تعني حرمان المتعطلین عن العمل لیس من مصادر الدخل الضروریة لمعیشتهم فحسب، بل وأیضا حرمانهم من حقوقهم الإنسانیة الأساسیة المتمثلة بحق الحصول على العمل المناسب لقدراتهم الشخصیة ٕ وامكانیاتهم الجسدیة والذهنیة. و تشكل البطالة هدراً للموارد التي تم إستثمارها في إعداد وبناء الإنسان وتربیته وتعلیمه وتدریبه وتأهیله بهدف الدخول إلى سوق العمل. ونتیجة لتفشي هذه المشكلة، فقد سعت الحكومة إلى مواجهتها بوسائل عدیدة ومن خلال خططها التنمویة والتشریعات، إلا أن النتائج لم تكن بالمستوى المطلوب. ویعود ذلك إلى حقیقة مفادها أن نجاح السیاسات الحكومیة في مواجهة البطالة وإصلاح الإختلال الحاصل في سوق العمل له مقومات وشروط لا بد من توفرها حتى تؤتي هذه السیاسات والخطط والتشریعات أكلها. وفي ضوء ذلك كان لا بد للقطاع الخاص من أن یعظم الدور الذي یقوم به لمواجهة مشكلة البطالة جنباً إلى جنب مع الحكومات.

أسباب البطالة

تعتبر البطالة من أهم العوامل التي تهدد مستوى الإستقرار الإقتصادي وتماسك المجتمعات. ویعود إرتفاع معدلات البطالة إلى أسباب إقتصادیة، وٕاجتماعیة وأخرى سیاسیة. كما یمكن أن یعزى إنتشار ظاهرة البطالة لأسباب داخلیة وأخرى خارجیة في كثیر من الأحیان. وقد تختلف أسباب البطالة من بلد إلى آخر،وذلك وفقاً للهیكل الإقتصادي والتركیب السكاني في كل بلد. وتختلف أسباب البطالة في بعض الأحیان من منطقة إلى منطقة أخرى داخل البلد الواحد. ففي الدول العربیة ذات الإقتصاد المهمش وتشمل السودان والصومال والیمن وجیبوتي، على سبیل المثال، یسود القطاع غیر الرسمي والتوظیف الذاتي في إقتصاد الكفاف. أما دول الإقتصاد الأكثر تنوعاً فتشمل لبنان ومصر والأردن وتونس والجزائر والمغرب . وتتسم إقتصاداتها بفائض عمالة لأن الإقتصاد لا ینمو بنسب تسمح باستحداث فرص تشغیل بالنسب المطلوبة لاستیعاب الداخلین الجدد إلى سوق العمل. وهناك دول مجلس التعاون لدول الخلیج العربیة التي تواجه تحدیاً خاصاً في سعیها نحو تنویع الإقتصاد لتحوطها من التقلبات التي قد تحدث في الدخل القومي نتیجة للاعتماد على النفط كمصدر أساسي، بالإضافة إلى ضرورة زیادة قدرة العمالة الوطنیة. ونود الإشارة إلى أنه سیتم التركیز على مشكلة البطالة في الدول العربیة دون غیرها لأهمیتها للقارئ. ویمكن تلخیص أهم أسباب البطالة بما یلي:

  1. إرتفاع معدل النمو السكاني بمعدلات تجعل من الصعب على القطاعات الإقتصادیة استیعاب الأعداد الهائلة من قوة العمل.
  2. إخفاق خطط التنمیة الإقتصادیة المتعاقبة في إیجاد آلیة حقیقیة لرفع معدلات التشغیل.
  3. إرتفاع معدل نمو قوة العمل مقارنة مع معدل نمو الناتج القومي.
  4. غیاب التخطیط الإقتصادي الممنهج وعدم وجود تطابق وتواؤم بین متطلبات سوق العمل ومخرجات قطاع التعلیم.
  5. تطبیق سیاسات الانفتاح الإقتصادي وما صاحبها من تطبیق لبرامج الخصخصة التي أدت إلى التخلي عن أعداد كبیرة من العاملین.
  6. إخفاق معظم برامج التصحیح الإقتصادي في أحداث نمو إقتصادي حقیقي یزید من القدرة على استحداث المزید من فرص العمل ولفترات زمنیة طویلة.
  7. التوزیع غیر الأمثل للموارد المحلیة.
  8. عدم إقبال الشباب على العمل المهني والأعمال الحرة.
  9. نقص الإستثمارات الموجهة للتنمیة الإقتصادیة.
  10. تراجع الدور الحكومي كموظف رئیسي ومباشر بسبب إنتشار البطالة المقنعة والترهل الإداري وزیادة العبء على الموازنة العامة للدولة.
  11. التطورات والعلاقات السیاسیة بین الدول المصدرة للقوة العاملة والمستوردة.
  12. عدم توفر مقومات نجاح السیاسات الحكومیة المالیة والنقدیة.
  13. ضعف التوجه إلى المشروعات الخاصة الصغیرة والمتناهیة الصغر.
  14. تدني مستوى الروح الریادیة وحب المبادرة بین الأفراد، وغیاب الأفكار التي تزید من فرص العمل.
  15. إنتشار ثقافة العیب عند الأفراد.
  16. إنتشار ظاهرة البطالة الموسمیة.
  17. ضعف قواعد البیانات والمعلومات حول الباحثین عن عمل.

وتجدر الإشارة هنا إلى إن معرفة أسباب البطالة یجب أن ینعكس على نوعیة الإجراءات المتبعة للحد منها، كما أنه یوزع المهام والمسؤولیات بین كل من الحكومة والقطاع الخاص وقطاع الأسر (الأفراد)، فالمسئولیة لا تقع على طرف دون الآخر، بل یكملون بعضهم البعض. ولكن لوضع الحلول واختیار الآلیات اللازمة لمواجهة مشكلة البطالة، لا بد من التعرف على أنواعها، فالآلیات والمسؤولیة تختلف تبعاً لنوع البطالة السائد.

أنواع البطالة

تختلف معدلات البطالة في الدول النامیة مقارنة بالدول المتقدمة، وتنتشر أنواع عدیدة للبطالة في الدول النامیة والعدید من الدول العربیة نوردها فیما یلي:

البطالة الإحتكاكیة

وهي بطالة مؤقتة قصیرة المدى تنتج عن تغییر مكان العمل أو نوع الوظیفة. فقد یترك العامل عمله لینتقل إلى وظیفة أخرى، أو یترك العمل في منطقة لینتقل إلى منطقة أخرى.

وتحدث كذلك عندما یبحث الخریجون الجدد عن عمل، أو عندما تقرر ربات البیوت دخول سوق العمل بعد إنقطاع. وقد تحدث كذلك نتیجة لنقص المعلومات لدى كل من الباحثین عن فرص العمل وأصحاب الأعمال، ونتیجة لافتقار بعض العمال إلى المهارة والخبرة اللازمة لتأدیة العمل المتاح، أو صعوبة التكیف الوظیفي الناشئ عن تقسیم العمل والتخصص الدقیق، أو التغیر المستمر في بیئة
الأعمال والمهن المختلفة، الأمر الذي یتطلب اكتساب مهارات متنوعة ومتجددة بإستمرار
.

البطالة الهیكلیة

تعرف البطالة الهیكلیة على أنها البطالة التي تنشأ بسبب الإختلاف والتباین القائم بین هیكل توزیع قوة العمل (العاملین والمتعطلین عن العمل) وهیكل الطلب علیها. وتعرف كذلك على أنها البطالة الناجمة عن خلل أو تغیر في هیكل الإقتصاد بحیث لا یرافقه تغیرات في هیكل سوق العمل. بمعنى آخر ینشأ هذا النوع من البطالة نتیجة للتحولات الإقتصادیة التي تحدث من حین لآخر في هیكل الإقتصاد كاكتشاف موارد جدیدة أو إستخدام وسائل إنتاج أكثر كفاءة، أو ظهور سلع جدیدة أو التحول من قطاع إلى آخر مثل الإبتعاد عن الزراعة والتوجه للقطاعات الخدمیة.

وتكون البطالة الهیكلیة بطالة جزئیة ، بمعنى أنها تقتصر على قطاع إنتاجي أو صناعي معین، وقد لا تمثل حالة عامة من البطالة في الإقتصاد. وقد یقترن ظهورها بإستخدام تقنیات الإنتاج التي تعتمد على التكنولوجیا المتقدمة بدلاً من الأیدي العاملة (صناعة النسیج والسجاد أو صناعة الخبز مثلاً)، مما یؤدي إلى الاستغناء عن عدد كبیر من العمال. كما أنها تحدث بسبب وقوع تغیرات في قوة العمل كدخول الشباب إلى سوق العمل بأعداد كبیرة.

البطالة الدوریة

ینشأ هذا النوع نتیجة لتذبذبات الدورة الإقتصادیة بین الانتعاش والانكماش. وقد یفسر ظهورها بعدم قدرة الطلب الكلــي على إستیعاب أو شراء الإنتاج المتاح مما یؤدي إلى ظهور الفجوات الإنكماشیة. ففي فترات الركود الإقتصادي وٕانخفاض الإنتاج ینخفض التوظیف وترتفع معدلات البطالة، والعكس في أوقات الرواج والانتعاش.

البطالة الموسمیة

وهي البطالة التي تصیب فئة معینة من الأیدي العاملة في قطاع معین نتیجة لموسمیة عملیة الإنتاج أو دورة الإنتاج في هذا القطاع. فعلى سبیل المثال، نرى أن العاملین في القطاع الزراعي أو السیاحي أو البناء (قطاف أو عصر الزیتون أو صناعة المثلجات في الصیف مثلاً) قد یضطروا للبقاء بدون عمل لفترة معینة بعد انتهاء الموسم حتى یأتي موسم جدید. وقد یخلط البعض بینها وبین البطالة الدوریة التي تنتج عن الدورة الإقتصادیة.

البطالة الإختیاریة (السلوكیة أو الطوعیة)

وهي البطالة الناتجة عن سلوك العامل عندما لا یقبل العمل على الرغم من توفره. وتظهر كذلك عندما ینسحب فیها شخص من عمله بمحض إرادته لأسباب مثل ثقافة العیب أو عدم وجود الرضا الوظیفي.

البطالة المقنعة

وتعني العمل بأقل من الطاقة الإنتاجیة الحقیقیة، وعندها یكون الأجر أعلى من قیمة الإنتاج الحدي للعامل. وتحدث غالباً في القطاع الحكومي حیث تعمل الحكومة على تشغیل عدد كبیر من العمال للقیام بمهام تحتاج إلى عدد أقل من العدد الموجود بكثیر. ومما ساهم في تفشي ظاهرة البطالة المقنعة في أروقة الأجهزة والمؤسسات الحكومیة والعامة نتیجة تلك الأسالیب غیر الصحیحة في معالجة ظاهرة البطالة. وقد اعتمدت هذه الأسالیب على زیادة التوظیف في المؤسسات الحكومة بشكل أثر بشكل سلبي على أداء هذه المؤسسات وكفاءتها. ویرافق هذا النوع من البطالة وجود حالات من الترهل الإداري وزیادة في العبء المالي على الحكومة.

البطالة المستوردة

وهي البطالة التي یكون مصدرها خارجي أي من خارج الإقتصاد. وقد تعرف على أنها البطالة التي تواجه جزء من قوة العمل المحلیة في قطاع معین بسبب إنفراد أو إحلال العمالة غیر المحلیة في هذا القطاع. وقد یواجه الإقتصاد هذا النوع من البطالة في حال إنخفاض الطلب على سلعة معینة مقابل إرتفاع الطلب على سلعة مستوردة. وقد تحدث كذلك نتیجة لتطورات إقتصادیة أو سیاسیة خارجیة مثل الحروب التي تعاني منها بعض الدول المجاورة أو الحصار الذي قد یفرض من قوى دولیة، أو نتیجة لتوقف المساعدات والمنح الخارجیة الموجهة للتشغیل أو أیة تقلبات أخرى خارجیة.

وقد ینشأ هذا النوع من البطالة كذلك نتیجة لتوقیع بعض الدول اتفاقیات تعاون مع دول أخرى بحیث تسمح الدولة بدخول بعض الأیدي العاملة الوافدة بأجر أقل لتحل محل العمالة المحلیة. فعلى سبیل المثال، فقد أدت الأزمة العالمیة إلى التخلي عن أعداد هائلة من الأیدي العاملة مما أدى إلى إرتفاع معدلات البطالة في الكثیر من الدول.

البطالة الطبیعیة

هي البطالة التي یشهدها الإقتصاد على الرغم من الوصول إلى حالة التشغیل الكامل. وتشمل البطالة الطبیعیة كلا من البطالة الهیكلیة والبطالة الاحتكاكیة و . عندما یبتعد الإقتصاد عن حالة التوظیف الكامل فإن معدل البطالة السائد یكون أكبر أو أقل من معدل البطالة الطبیعي.

ففي مرحلة الانتعاش یكون معدل البطالة السائد أقل من معدل البطالة الطبیعي، أما في حالة الانكماش فإن معدل البطالة السائد یكون أكبر من معدل البطالة الطبیعي، وعندها تظهر البطالة الدوریة.

شبه البطالة

وهي الحالة التي تحدث عندما یعمل بعض العمال بوظائف بدوام جزئي على الرغم من أنهم یبحثون عن العمل بدوام كامل ولا یجدونه.

آثار البطالة

تمتد آثار البطالة إلى كافة القطاعات الإقتصادیة، فهي تؤثر على المستوى المعیشي للمتعطلین عن العمل وعلى أسرهم. وتؤثر البطالة كذلك على القطاع الحكومي وقطاع التجارة الخارجیة. ولا تقتصر آثار البطالة على الجانب الإقتصادي، ٕ وانما هناك آثار سیاسیة وٕاجتماعیة.

أما الآثار الإقتصادیة للبطالة فتشمل التالي:

  1. تؤدي البطالة إلى هدر الموارد الإنتاجیة والبشریة وٕانخفاض الإنتاج القومي والدخل القومي. ویعود بسب ذلك إلى تكلفة الفرصة البدیلة الناجمة عن تعطل نسبة كبیرة من الأیدي العاملة عن العمل.
  2. یرافق إرتفاع معدل البطالة إنخفاض في المستوى المعیشي للمتعطلین عن العمل وأسرهم وٕارتفاع في نسبة الفقر.
  3. تؤدي البطالة إلى مزید من الأعباء المالیة على الحكومة، حیث تسعى لمواجهة هذه المشكلة من خلال استحداث المزید من فرص العمل أو تعویض المتعطلین عن العمل. ویؤدي ذلك إلى زیادة في النفقات العامة و العجز في الموازنة العامة.
  4. تؤدي البطالة إلى تدني الإنتاجیة على المستوین الكلي والجزئي، مما ینعكس على مستویات الأجور والدخل وعلى حجم الإنتاج الكلي.
  5. تؤدي البطالة إلى إنخفاض حجم المدخرات لدى المتعطلین عن العمل بسبب توجههم إلى الإنفاق على الإستهلاك في فترات التعطل عن العمل.
  6. هجرة الكفاءات من الأیدي العاملة المحلیة.
  7. زیادة الهجرة إلى المدن الرئیسیة.
  8. هجرة الموارد البشریة الماهرة إلى الخارج وحرمان قطاعات الإنتاج منها.

أما الآثار الإجتماعیة والسیاسیة للبطالة فتشمل:

  1. إنتشار بعض الأمراض الإجتماعیة كالسرقة والاختلاس وٕارتفاع معدل الجرائم بأنواعها المختلفة.
  2. إنتشار الكثیر من السلوكیات المنحرفة مثل تناول المخدرات وٕانتشار العنف والتدخین والإدمان.
  3. تأخر سن الزواج وما یرافقه من آثار سلبیة على كافة فئات المجتمع.
  4. تأثر الوضع النفسي للمتعطلین عن العمل مما یزید من العنف ضد المرأة والأولاد، وٕانتشار ظاهرة الطلاق، والتفكك الأسري، وتشرد الأطفال والإنحراف الأخلاقي.
  5. حدوث اضطرابات واعتصامات ومشاكل سیاسیة بسبب البطالة وعدم العدالة في توزیع فرص العمل، وللمطالبة برفع تعویضات البطالة.

البطالة وسیاسة التوظیف الذاتي

إذا نظرنا إلى مشكلة البطالة ببساطة نستطیع القول أنها حالة عجز تصیب سوق العمل بحیث یكون الطلب على العمل (فرص العمل المتاحة) في فترة زمنیة معینة أقل من عرض العمل(الباحثین عن العمل). وقد یزداد هذا العجز(البطالة) عندما ینمو عرض العمل بمعدل أعلى من معدل الطلب على العمل. وحتى یبقى معدل البطالة في فترة ما ثابت لا بد أن یتساوى معدل النمو في طلب العمل (فرص العمل المستحدثة) ومعدل النمو في عرض العمل (النمو في عدد الباحثین عن عمل). ولو أردنا أن نناقش حل هذه الظاهرة ببساطة ومن الناحیة النظریة، فإنه یمكننا القول أن الحل یكمن في تقلیل عرض العمل أو زیادة الطلب على العمل أو كلاهما حتى نصل إلى أقل فجوة ممكنة وهي مستوى البطالة الطبیعیة.

نحن نعلم إن تقلیل عرض العمل أو تقلیل معدل دخول قوة العمل إلى سوق العمل أمر صعب، لا سیما في ظل التزاید المستمر في عدد السكان ضمن سن العمل، وتدفق مخرجات قطاع التعلیم إلى سوق العمل. ولكن ما یمكن عمله هو تنظیمه، أي عرض العمل، وتأهیله بحیث یلاءم الإحتیاجات من حیث الكم والنوعیة المطلوبة. وقد یرى البعض أن تحفیز وزیادة الطلب على العمل هو الأسهل. ولكن كیف یمكن زیادة الطلب على العمل وزیادة التشغیل؟ ومن المسئول؟.

ولا یخفى على القارئ أن كتب النظریة الإقتصادیة تشیر إلى أن مشكلة البطالة یمكن مواجهتها بطریقة مباشرةً من خلال السیاسات الحكومیة المعروفة وهي السیاسة المالیة التوسعیة والسیاسة النقدیة التوسعیة.

وتنطوي السیاسة المالیة التوسعیة على قیام الحكومة بزیادة الإنفاق الحكومي أو التقلیل من الضرائب بهدف حفز الإقتصاد وزیادة الإنتاج، وبالتالي التقلیل من البطالة. إن هذه الأدوات لیست حلولاً سحریة، حیث یبرز إلى السطح سؤال هام وهو: هل تستطیع الحكومة الإستمرار في زیادة الإنفاق الحكومي أو تقلیل الضرائب إذا كانت تعاني من عجز في الموازنة العامة إضافة إلى العدید من الإختلالات الأخرى؟ بالطبع لا، إن إتباع هذه السیاسة بشكل مستمر سیؤدي بالضرورة إلى مزید من العجز، ومزید من الاقتراض، مما یزید من أزمة المدیونیة التي تعاني منها معظم الدول. وحتى في الدول التي تمتلك الفوائض النقدیة، فنجاح هذه السیاسة له مقومات داخلیة وخارجیة وشروط تتعلق بهیكل الإقتصاد، ونظام سعر الصرف، والخطط التنمویة الموجودة وغیرها. ویتأثر نجاح هذه السیاسة كذلك بحجم الإقتصاد وقدرته على التوسع بالشكل الكافي لاستیعاب الأعداد المتزایدة من الأیدي العاملة التي تدخل سوق العمل سنویاً. ولقد بات من الواضح إن عدم توفر هذه المقومات، وما یرافق ذلك من إختلالات هیكلیة خطیرة تعاني منها العدید من الدول النامیة تعیق أو تجعل من أي سیاسة مالیة أداة لا فائدة منها.

أما السیاسة النقدیة التوسعیة فتنطوي على زیادة العرض النقدي من خلال أدوات السیاسة النقدیة . إن إستخدام السیاسة النقدیة غالباً ما یرافقه ضغوط تضخمیة وٕارتفاع في الأسعار، لا سیما إذا كان الإقتصاد غیر قادر على التوسع في الإنتاج لمواجهة الزیادة في الطلب الكلي. وكما هو الحال في السیاسة المالیة، فإن نجاح السیاسة النقدیة مرهون بمقومات تتعلق بحجم وهیكل الإقتصاد، نظام سعر الصرف المتبع، والجهاز المصرفي المتطور. وعلیه، نستطیع القول إن أیة سیاسة حكومیة مالیة كانت أم نقدیة قد یكتب لها النجاح في مرحلة معینة ولفترة محدودة، لكنه لا یمكن أن تستمر أي من هاتین السیاستین في مواجهة مشكلة البطالة لا سیما في ظل التزاید المستمر في أعداد من یدخلون إلى سوق العمل. لا تستطیع دولة ما أن تزید الإنفاق الحكومي أو تقلل الضرائب أو أن تزید السیولة المحلیة بشكل مستمر ودائم. وقد تخلق السیاسات الحكومیة العدید من فرص العمل ولكنها لیست بالضرورة تناسب المستوى العلمي والمهني للمتعطلین عن العمل.

وفي هذا المجال، تبرز أهمیة الدور غیر المباشر للحكومة وأهمیة المشروعات المتناهیة الصغر والصغیرة والمتوسطة التي تساعد في توفير فرص عمل للراغبین في العمل لا سیما الریادیین والمبادرین، وتخفف من حدة البطالة و . تعتبر هذه المشروعات-لا سیما المتناهیة الصغر- الآلیة الأنسب لتطبیق سیاسة التوظیف الذاتي Self-employment Strategy.وهي أیضاً ذات منافع للمشروعات الكبیرة حیث تقوم بالعدید من المهام التي تتحاشى أن تتولاها تلك المشروعات، هذا فضلاً عن مساهمتها في تنشیط مستوى المنافسة التحفیزیة بشكل یدفع للابتكار والإبداع وتقدیم أفضل الخدمات للمستفیدین. ویجب أن لا نغفل دور هذه المشروعات في زیادة العدالة في توزیع مكتسبات التنمیة، والحفاظ على التوازن التجاري ومیزان المدفوعات،وتعزیز الناتج المحلي الإجمالي. إن المشروعات الصغیرة والمتناهیة الصغر هي الأساس الذي تقوم علیه المشروعات الكبیرة لأنها لا یمكن أن تقوم إلا على جهود المشروعات الصغیرة سواء في الإنتاج أو التسویق أو الحصول على الموارد (مدخلات الإنتاج).

لقد أثبتت التجارب الدولیة أن السیاسات المالیة والنقدیة في الدول النامیة لا تستطیع أن تدفع بالإقتصاد لاستیعاب أعداد هائلة من القوى العاملة بشكل دائم، ولا یركن إلیها كحل جذري لمواجهة مشكلة البطالة.إن إستمرار الحكومة كموظف رئیسي یعني المزید من البطالة المقنعة والترهل الإداري ومزید من الأعباء المالیة. لقد باتت ٕ الحكومات غیر قادرة على القیام بهذا الدور التقلیدي والى الأبد. لذا لا بد لفئة المتعطلین عن العمل من أن یسعوا ویوظفوا أنفسهم من خلال سیاسة التوظیف الذاتي والمبادرات الفردیة أو الجماعیة وتبني الروح والأفكار الریادیة، وحتى لا تفهم العبارة بشكل خاطئ لا بد للحكومة والقطاع الخاص من مساعدة هؤلاء على توظیف أنفسهم من خلال احتضانهم وتوفیر الدعم المالي والفني لهم. وهنا نرى أن قطاع المشروعات الصغیرة والمتناهي الصغر هو الأرض الخصبة لتنفیذ سیاسة التوظیف الذاتي لكن بدعم مالي وفني من المؤسسات الحكومیة وغیر الحكومیة ذات العلاقة.

وفي مجال الحدیث عن دور ریادة الأعمال والمبادرات الفردیة في الحد من مشكلة البطالة، نرى أنه من الضروري التأكید على أهمیة قطاع المشروعات الصغیرة في الحد من البطالة من خلال النقاط التالیة:

  1. إن المشروعات المتناهیة الصغر والصغیرة والمتوسطة ما هي إلا ترجمة عملیة للأفكار الریادیة والمبادرات الفردیة والجماعیة التي یتبناها الریادیون. إن إنشاء هذه المشاریع وادارتها یخلص فئة الشباب من فكرة ثقافة العیب –الخاطئة أصلاً- كونه سیصبح مدیر ومالك ومنتج في ذات الوقت. كما أن هذه المشروعات هي المجال الأفضل للعمل المهني وتشجیعه.
  2. تعتبر هذه المشروعات أحد الحلول للبطالة الناتجة عن الخصخصة إذا ما تم إستخدام جزء من عوائدها لتمكین العمالة التي یتم التخلي عنها من دخول هذا القطاع كمالك ومدیر للمشروع أو كمنتج في ذات الوقت.
  3. إن تخلي الحكومة عن خلق المزید من فرص العمل غیر المنتجة (البطالة المقنعة) شيء جید، ولكن لا بد أن یرافق هذه الخطوة إعادة توجیه بعض المخصصات المالیة لتوجیه فئة من المتعطلین عن العمل إلى مجالات منتجة بدل من دخول فئة البطالة المقنعة. إن مجموع تكالیف توظیف عامل واحد في القطاع الحكومي –ضمن البطالة المقنعة وبإنتاجیة متدنیة- یكفي لتمویل إقامة مشروع إنتاجي لهذا العامل. ولكن لا بد من ملاحظة أن هذه المدفوعات تدفع لمرة واحده، بینما الوظیفة الحكومیة تحتاج إلى دفعات مستمرة على شكل رواتب ومدفوعات أخرى.
  4. إن التركیز الحاصل على العاصمة والمدن الرئیسیة في توزیع الموارد في كثیر من الدول یؤدي إلى تركز البنیة التحتیة في هذه المدن، الأمر الذي یؤدي إلى خلل في توزیع المشروعات الإنتاجیة بأحجامها المختلفة، وهذا بدوره یؤدي إلى خلل في توزیع الدخل ویزید المناطق الفقیرة غیر المخدومة فقراً. إن دعم هذه المشروعات وتشجیع إقامتها یخلق المزید من فرص العمل، ویزید من العدالة في توزیع مكتسبات التنمیة وتوزیع الدخل ویعالج الخلل الناجم عن النمو غیر المتوازن والخلل في توزیع الموارد المالیة وقت الطفرة.
  5. إن الانجازات والمشاریع الكبیرة والهائلة تبدأ بفكرة صغیرة رائدة یتم ترجمتها على أرض الواقع إلى كیان قانوني ومشروع منتج أي إلى مشروع إنتاجي أو خدمي بالحجم المناسب. هذا كله ینطوي على خلق المزید من فرص العمل ویقلل البطالة. وعلیه، فإن الحث على الریادة وتشجیعها یعني المزید من الأفكار والمبادرات ومزید من المشروعات ومزید من التشغیل.
  6. المشروعات الإنتاجیة أو الخدمیة المتناهیة الصغر والصغیرة والمتوسطة المدرة للدخل والتي تضمن للباحث عن عمل مناسب وبجودة عالیة وبدخل أعلى، هي الوسیلة الأمثل التي تجعله اقل میولاً إلى الوظیفة الحكومیة ذات الأجر المحدود والتي تقیده بأوقات عمل طویلة وتخضعه لسیطرة مدیره.
  7. یمكن إدراك دور هذه المشروعات في التعامل مع البطالة الدوریة من خلال مراجعة التطورات التي تبعت الأزمة المالیة والإقتصادیة العالمیة مؤخراً، حیث لوحظ أن معظم الوظائف التي فقدت كانت في المشاریع الكبیرة، بینما كانت المشروعات الصغیرة والمتوسطة الأقل تأثراً نسبیاً وذلك بسبب مرونتها وقدرتها على التكیف.
  8. التخفیف من أزمة التشغیل والبطالة یحتاج إلى لاعبین كثر. فهو یحتاج إلى أفكار ومبادرات وریادیین،وٕالى مؤسسات تدعم هذه المبادرات والأفكار الریادیة مالیاُ وفنیاً، وٕالى إستراتیجیة سكانیة تنظم الدخول إلى سوق العمل، ٕ والى قطاع حكومي فاعل في الإنتاج والتوظیف وفي دعم قطاع المشروعات المتناهیة الصغر والصغیرة والمتوسطة، ٕ والى بیئة إعمال وبیئة إستثماریة تعزز دور القطاع الخاص.
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد