أهمیة حوكمة الشركات وتطورها

0

زادت أهمیة الحوكمة نتیجة توجه معظم دول العالم نحو النظام الإقتصادي الرأسمالي والذي استطاع أن یتفوق على النظم الاشتراكیة في أعقاب الحرب الباردة. ویقوم النظام المالي في جوهره على الإعتماد على القطاع الخاص لتحقیق التنمیة الإقتصادیة، وهذا ما نتج عنه ظهور الشركات العملاقة وتحریر الأسواق المالیة وحریة إنتقال رؤوس الأموال بین الدول.

وفي خضم إنفصال الملكیة عن الإدارة للشركات ظهر هناك ضعف في آلیات الرقابة على الإدارة، وأدى هذا لاستفحال مشكلة الوكالة وتزاید الخلاف بین إدارات الشركات والمساهمین وبخاصة مجلس الإدارة والذي یشكل النسبة الأكبر من الملاك.

وقد أصبحت الحاجة ملحة للحوكمة خلال العقود القلیلة الماضیة، خاصة في أعقاب الانهیارات الإقتصادیة والأزمات المالیة التي شهدتها العدید من دول العالم. ففي عام 1997 أثرت الأزمة المالیة الآسیویة على إقتصادیات تایلاند واندونیسیا وكوریا الجنوبیة ومالیزیا والفلبین خاصة مع هروب رأس المال الأجنبي وانهیار عملاتها. وقد كانت أبرز نقاط الضعف في هذه البلدان عدم وجود آلیات للحوكمة المؤسسیة. كذلك كان لغیاب حوكمة الشركات أثراً بارزاً في ظهور الأزمات التي تعرضت لها دول أمریكا اللاتینیة وروسیا في عقد التسعینات. ومع انهیار شركة إنرون في الولایات المتحدة عام 2001 وانهیار شركة ورلد كوم،واللتان كانتا تعتبرا من كبرى الشركات الأمریكیة والعالمیة، أصبحت حوكمة الشركات وتطبیقاتها على درجة كبیرة من الأهمیة، بل أنها أصبحت ضرورة ملحة لحمایة الإقتصاد العالمي من انهیارات أخرى.

من هنا برز مفهوم حوكمة الشركات كوسیلة یتم من خلالها ضبط العلاقة بین مجلس الإدارة وبین جمیع الأطراف الأخرى. حیث تهدف الحوكمة إلى تحقیق الشفافیة والعدالة ومنح حق مساءلة إدارة الشركة وتحقیق الحمایة للمساهمین وأصحاب الحقوق جمیعاً، مع مراعاة مصالح العمل والعمال. كذلك تساهم الحوكمة في الحد من إستغلال السلطة، وتساعد على الإلتزام بأحكام القانون. ویمكن تلخیص أهمیة حوكمة الشركات للإدارة المالیة في الشركات بما یلي:

  1. محاربة الفساد المالي والإداري في الشركات ومنع حدوث أیة مخالفات ناتجة عن وجود الفساد.
  2. ضمان النزاهة والحیادیة في الشركة إبتداء من مجلس الإدارة والإدارة التنفیذیة العلیا وحتى المستویات الإداریة الدنیا.
  3. تفعیل نظم المحاسبة والرقابة الداخلیة في الشركة.
  4. زیادة مستویات الإفصاح والشفافیة في التقاریر المالیة للشركة وزیادة جودة المعلومات المحاسبیة.
  5. ضمان إستقلالیة وحیادیة دقم قي الحسابات الخارجیین، والتأكد من عدم تعرضهم لأیة ضغوط من مجلس الإدارة أو من الإ دارة التنفیذیة للشركة.

قضیة للدراسة (1)إنهیار شركة إنرون Enron

یعتبر انهیار شركة إنرون الأمریكیة العاملة بمجال الغاز والطاقة أحد أبرز الانهیارات التي عرفها الإقتصاد الأمریكي وربما العالمي. وقد جاء إنهیار الشركة على خلفیة مجموعة من العوامل في مقدمتها عدم التقید بقواعد حوكمة الشركات في الشركة، وما تمخض عنه من فضائح مالیة وفساد أدى لانهیار الشركة العملاقة والتي بلغ حجم أصولها 63.4ملیار دولار.

وقد انطلقت شرارة الأزمة في نهایة عام 2001 حینما أعلنت شركة إنرون عن انخفاض أرباحها بمبلغ 544 ملیون دولار، وتخفیض حقوق المساهمین بمبلغ 1.2 ملیار دولار. كما أعلنت الشركة عن إعادة هیكلة قوائمها المالیة خلال الخمس سنوات الأخیرة (1997-2001) موضحة أن ذلك یأتي نتیجة وجود أخطاء محاسبیة ترتبط بشركات الشراكة الإستثماریة التابعة لها. وقد تم حینها الكشف بأن آندرو فاستو مساعد رئیس مجلس الإدارة ورئیس القسم المالي للشركة تلقى مبلغ 30 ملیون دولار من شركتي الشراكة الإستثماریة ، وهذا كله جعل السوق یفقد ثقته بشركة إنرون وسرع من عملیة انهیارها ٕ واعلان إفلاسها خلال فترة لا تتجاوز شهر واحد.

وقد أظهرت التحقیقات أن اثنین من المدیرین التنفیذیین لشركة إنرون كانا مذنبین في قضایا تتعلق بالفساد والتحایل والتآمر فیما یتعلق بالمتاعب المالیة التي كانت تواجهها الشركة. وقد أصدر القضاء حكماً بالسجن لمدة 24 عاماً على جفري سكیلنج والذي وجد مذنباً في 19تهمة من أصل 28تهمة، ولو أدین بها كلها لبلغت فترة سجنه 275 سنة. أما كینیث لاي فقد وجد مذنباً في 6 تهم تتعلق بالتحایل والتآمر إلا أنه توفي بنوبة قلبیة عام 2006 قبل صدور الحكم.

ومن خلال تفحص أسعار أسهم شركة إنرون، فیمكن ملاحظة أن سعر السهم قد تنامى بشكل مثیر خلال عقد التسعینیات حیث ارتفعت قیمته من أقل من 7 دولارات في التسعینیات لیصل إلى 90 دولاراً في منتصف عام 2000. لكن مع إنتشار أخبار خسائر الشركة وقرارها بإعادة هیكلة قوائمها، تعرض السوق لأزمة ثقة تمخض عنها انخفاض سعر سهم الشركة بشكل سریع لیصبح أقل من دولار في نهایة 2001. وكانت هذه نهایة مؤسفة لمساهمي الشركة العملاقة الذین شاهدوا أصول شركتهم تهوي من آلاف الملایین إلى لاشيء تقریباً خلال فترة وجیزة.

ویمكن تلخیص أهم العوامل التي أدت لهذا السقوط المدوي لشركة إنرون كما یلي:

1- وكل مجلس الإدارة مهمة مراجعة الصفقات التي تقوم بها الشركة للجنة فرعیة داخل الشركة، ولم تقم اللجنة إلا بمراجعة سریعة لتلك الصفقات، كما أن مجلس الإدارة أخفى معلومات كان من الممكن أن تؤدي معرفتها إلى إتخاذ بعض الإجراءات المناسبة.

2- ضخمت إدارة الشركة الأرباح إلى ملیار دولار في العام الذي سبق الانهیار، وفشلت الرقابة الداخلیة في الشركة أخلاقیاً ومالیاً نتیجة للخداع المستمر. كما أن مكتب آرثر أندرسن المكلف بمراجعة حسابات الشركة كان یقوم بالمراجعة الداخلیة أیضاً ویقدم خدمات استشاریة هائلة.

3- تعد حادثة إنرون تذكیراً هاماً لطبیعة العلاقة المهمة بین المراجعة الداخلیة مع لجنة المراجعة؛ حیث یحتاج المراجعون الداخلیون كما هو الحال بالنسبة للمراجعین الخارجیین لرفع تقاریرهم إلى لجنة المراجعة بكل ما یواجههم مباشرة بدلاً من الرفع للإدارة.

4- كان أعضاء لجنة المراجعة یتقاضون مبالغ طائلة حیث تقاضى كل عضو مبلغ 380,619 دولار نقداً أو على شكل أسهم وذلك في عام 2001 وهذا أثر على إستقلال ةی وحیاد اللجنة.

5- إن مشكلة التعارض في المصالح بین المساهمین والإدارة سمحت بخصوصیة مزدهرة للجهة التي تتحكم في المعلومات وهي الإدارة للانفراد بالمعلومات الصحیحة.

6- مكتب المراجعة العالمي الكبیر (آرثر أندرسن) والذي كان أحد المكاتب الخمس الكبرى آنذاك وبلغ عدد العاملین فیه في مختلف أنحاء العالم ما یقارب 160ألف موظف. تقاضى مبلغ 25ملیون دولار كأتعاب لقیامه بمراجعة حسابات شركة إنرون عن عام2000.كما تقاضى مبلغ 27ملیون دولار لقیامه بالأعمال الاستشاریة لنفس الشركة في نفس العام وهو الأمر الذي یعد دلیلاً آخر على
أن إستقلال المراجع وحیاده یصبح مهدداً إذا جمع بین هاتین المهمتین.

قضیة للدراسة (2)إنهیار شركة وورلد كوم WorldCom

تعتبر شركة وورلد كوم أحد شركات الاتصالات العملاقة والتي أصبحت بعد شرائها لشركة MCI الأمریكیة أحد أكبر شركة اتصالات في العالم بحجم أصول بلغ 107 ملیار دولار ونسبة مدیونیة تصل إلى 38%. وكانت الشركة تمتلك قاعدة عملاء تتجاوز 20ملیون عمیل، وتتولى نصف عملیات نقل بیانات شبكة الإنترنت على مستوى العالم. وبلغ عدد موظفي الشركة 60 ألف موظفاً تمارس من خلالهم عملیاتها في 65 دولة.

بدأت أزمة شركة وورلد كوم بعد أن تم الكشف عن تلاعب في دفاترها المحاسبیة لإخفاء خسائر تبلغ قیمتها 3,8 ملیار دولار. وقد تمخض عن ذلك فصل كبیر المدیرین المالیین للشركة سكوت سولیفان باعتباره المسؤول الأول عن فضیحة المحاسبة هذه، كما استقال الرئیس التنفیذي بیرني إیبرز لمواجهة الضغوط العنیفة. وقد جاءت هذه الأزمة في أعقاب أزمة سابقة بطلها رئیس مجلس الإدارة السابق للشركة والذي استغل منصبه للانتفاع بقرض یبلغ 400 ملیون دولار من الشركة لصالح أسهمه فیها.

وبعد أن قفزت أسهمها إلى 64 دولاراً عام 1999 لتصبح قرة عین المضاربین على الصعود في وول ستریت انهارت إلى 9 سنتات. وجسد تهاوي السهم انهیار صناعة الإتصالات وسط وفرة من الطاقة ودیون هائلة وفضائح محاسبة. وعلى إثر ذلك قررت الشركة وضع نفسها تحت حمایة قانون الافلاس (المعروف بالفصل 11) والذي یجیز لها الاستمرار بالعمل لحین إعادة ترتیب میزانیتها، وتم اعلان إفلاس الشركة في محكمة بمدینة نیویورك.

إن غیاب تطبیق حوكمة الشركات یعتبر من أهم الأسباب التي أدت لانهیار شركة وورلد كوم وشجعتها على التلاعب بحساباتها. كذلك كان هناك دور كبیر لمكاتب المحاسبة والمراجعة في الولایات المتحدة وما لجأت إلیه من أسالیب ملتویة للالتفاف حول قواعد الشفافیة والمكاشفة.

اقرأ ايضا :

حوكمة الشركات ونظریة الوكالة

تعریف حوكمة الشركات

أهمیة حوكمة الشركات وتطورها

عوامل ومحددات تطبیق حوكمة الشركات

معاییر وقواعد حوكمة الشركات

مبادئ حوكمة الشركات

الإطار المؤسسي لحوكمة الشركات

إنعكاسات تطبیق حوكمة الشركات على جودة المعلومات المالیة والمحاسبیة

الإفصاح وحوكمة الشركات

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد