حوكمة الشركات ونظریة الوكالة

0

مقدمة

لقد أحدث مفهوم حوكمة الشركات نقلة نوعیة في أسلوب إدارة الشركات وأسهم في تحدید الصلاحیات والسلطات والمسؤولیات التي تتمتع بها الإدارات التنفیذیة ومجالس الإدارات في الشركات بشكل یضمن المساءلة ویعزز الشفافیة والرقابة. وقد لاقى مفهوم حوكمة الشركات رواجاً كبیراً خلال العقدین الأخیرین حتى اتسع نطاق تطبیق هذا المفهوم لیشمل المؤسسات في القطاع الخاص والقطاع العام على حد سواء.

وتعود جذور حوكمة الشركات إلى Berle & Means اللذین یعدان أول من تناول موضوع فصل الملكیة عن الإدارة وذلك في عام 1932. وتأتي آلیات حوكمة الشركات لسد الفجوة التي یمكن أن تحدث بین مدیري ومالكي الشركة من جراء الممارسات السلبیة التي یمكن أن تضر بالشركة.

وتعتبر حوكمة الشركات ذات ارتباط وثیق بنظریة الوكالة في الشركات المساهمة وٕانفصال الملكیة عن الإدارة، وبالتالي حاجة ملاك الشركة من المساهمین لفرض المزید من الرقابة على أداء الإدارة وتخفیف مشكلة الوكالة وتكالیفها إلى أدنى حد ممكن.

كذلك جاءت الحوكمة كرد فعل طبیعي تجاه الأزمات والفضائح المالیة والأخلاقیة التي تعرضت لها العدید من الشركات الكبرى في العالم مثل شركة إنرون وشركة وورلد كوم، خاصة في أعقاب إنتشار الشركات المساهمة وتوسع أعمالها وتراجع مستویات الرقابة المتاحة أمام المساهمین والأطراف الأخرى ذات العلاقة بالشركة. حیث تهدف الحوكمة في نهایة الأمر إلى تحقیق العدالة لجمیع الأطراف ذات العلاقة بالشركة والحد من الممارسات السلبیة التي قد تقوم بها إدارة الشركة أو مجلس الإدارة على حساب مصلحة المساهمین .

حوكمة الشركات ونظریة الوكالة

Corporate Governance and Agency Theory
تقوم فكرة الشركات المساهمة العامة على الفصل بین الملكیة والإدارة، بمعنى أن حملة الأسهم لیسوا نفسهم المدراء بل أن هناك إدارة متخصصة یتم تعیینها لتولي أمور الشركة.

فحملة الأسهم في الشركات المساهمة العامة والذین یكون عددهم كبیر نسبیاً یقوموا خلال الجمعیة العمومیة للمساهمین بالتصویت لإنتخاب ممثلین عنهم والذي یطلق علیه مجلس إدارة الشركة (Board of Directors ). وبعد أن یتم إنتخاب مجلس الإدارة یقوم أعضاء المجلس بالتصویت لإنتخاب رئیس مجلس الإدارة ونائبه وأمین السر.

ویعتبر مجلس الإدارة مجلساً ممثلاً للمساهمین وبالتالي فهو یسعى لتحقیق مصالح حملة الأسهم، خاصةً وأن أعضاء المجلس عادةً ما یكونوا من كبار مساهمي الشركة وبالتالي فإن لهم مصلحة كبیرة في حمایة حقوق ومصالح حملة الأسهم في الشركة. ویقوم مجلس الإدارة بالعدید من الوظائف منها تعیین إدارة الشركة وفصلها، كما یختص مجلس الإدارة بإتخاذ القرارات الإستراتیجیة المهمة التي تخص الشركة مثل الإندماج والاستحواذ وغیرها. أما إدارة الشركة فهي التي تقوم بإدارة شؤون الشركة والإشراف علیها.

لقد جاءت نظریة الوكالة كمحاولة لتحدید إطار مشكلة تعارض المصالح بین المساهمین والإدارة، وذلك من خلال نظرتها إلى الشركة على أنها سلسلة من التعاقدات الإختیاریة بین الأطراف المختلفة . فنظریة الوكالة تعتمد على العلاقات التعاقدیة التي تحكم أطراف عقد الوكالة (علاقة الموكل بالوكیل) حیث یلتزم الوكیل بتمثیل ورعایة مصالح الموكل. وعلى ذلك فإنه یمكن النظر إلى الشركة على إنها ائتلاف لعدد من علاقات الوكالة مثل علاقة الإدارة بالمالكین وبمجلس إدارة الشركة، وعلاقة الإدارة بالعاملین ومدققي الحسابات،وعلاقة المساهمین بالمدقق الخارجي، وغیرها من العلاقات. وبذلك فإن علاقة الوكالة هي بمثابة عقد یشغل بموجبه شخص أو أكثر (الأصیل) شخص آخر أو أكثر (الوكیل) لانجاز أعمال معینة لصالحه یتضمن ذلك تخویله صلاحیة إتخاذ بعض القرارات.

مشكلة الوكالة Agency Problem

لقد تمخض عن الفصل بین الملكیة والإدارة أن أصبحت العلاقة بین المساهمین وبین إدارة الشركة علاقة توكیل. ومن هنا أصبح هناك مجالاً للتعارض في المصالح بین المساهمین وبین الإدارة، أو ما یسمى بتعارض الوكالة (Agency Conflicts ) أو تضارب المصالح بین الأصیل والوكیل حیث أن مصالح المساهمین تقتضي تعظیم ثروتهم من خلال تعظیم قیمة السهم في السوق، بینما قد تكون مصالح الإدارة بالحصول على منافع خاصة من خلال الدخول في إستثمارات منخفضة المخاطر لضمان بقائها في منصبها، أو الإهتمام بالإستثمارات التي تكون مربحة في المدى القصیر ولكنها تحقق خسائر على المدى الطویل.

وقد أظهرت الأبحاث وجود خمسة نواحي أساسیة یظهر فیها تعارض المصالح و هي: إختلاف الأهداف والأولویات، وٕاحتجاز الأرباح وتجنب المخاطرة والأفق الزمني وعدم تماثل المعلومات. وفیما یلي سنستعرض هذه المفاهیم بشيء من التفصیل.

إختلاف الأهداف والأولویات Differences in Priorities

یعتبر إختلاف الأهداف والأولویات بین المساهمین وبین الإدارة المسبب الأول لظهور مشكلة الوكالة، حیث یتضمن ذلك على وجود دوافع معنویة لدى الإدارة لتقوم بتغلیب مصالحها الخاصة على مصلحة الشركة. فلو كان مدیر الشركة هو نفسه المالك سیكون هدفه الأساسي البحث عن إستثمارات مجدیة والسعي لتطویر الشركة وزیادة قیمتها السوقیة. وكلما قلت حصة هذا المدیر في الشركة كلما أصبح هدفه ممثل بالحصول على حوافز ومنافع شخصیة بدلاً من البحث عن تحقیق مصالح الشركة. وقد أكدت بعض الدراسات بأن بعض الإدارات قد تلجأ أحیاناً لاختیار الإستثمارات التي تتناسب مع قدراتهم ومهاراتهم الشخصیة، وهذا یزید من قیمة هذه الإدارة للشركة وبالتالي یزید من تكالیف استبدالها، ویمكنهم من إستغلال الشركة والحصول على مكافآت كبیرة.

إحتجاز الأرباح Earnings Retention

وجدت الدراسات التي أجریت على مكافآت الإدارة بأنها تتزاید مع ازدیاد حجم الشركة ونموها، وهذا یعطي للإدارة حافز كبیر للتركیز على تنمیة حجم الشركة بدلاً من التركیز على تعظیم عوائد المساهمین، وهذا یتم من خلال اللجوء لإحتجاز الأرباح وإعادة إستثمارها لزیادة حجم الشركة. وهنا یظهر التعارض في أن الإدارة تسعى لإحتجاز الأرباح بینما یسعى المساهمون للحصول على أكبر قدر ممكن من التوزیعات، وخاصة عندما لا تكون الإستثمارات ذات جدوى كبیرة جداً. فالإدارة تستفید من الأرباح المحتجزة في توسیع إستثمارات الشركة وزیادة حجمها، مما یعطیها هیبة وسلطة وسیطرة أكبر على مجلس الإدارة، بالإضافة إلى قدرتهم على منح أنفسهم مكافآت مرتفعة.

تجنب المخاطرة Risk Aversion

إن تجنب المخاطرة یعتبر أحد الأسباب التي تؤدي للتعارض بین الإدارة والمساهمین لأن الإدارة تفضل الإستثمارات المضمونة منخفضة المخاطرة خوفاً من الفشل وبالتالي إنهاء عقدها أو استبدالها. كما أن فشل الإستثمارات التي تقوم بها الإدارة سیلحق الأذى بسمعتها في السوق وبالتالي سیضر بفرصها الوظیفیة مستقبلاً. ومن هنا فإن الإدارة تسعى لتقلیل المخاطر إلى أدنى حد ممكن حفاظاً على مصالحها، بینما قد یكون في مصلحة المساهمین الدخول أحیاناً في إستثمارات ذات مخاطر أعلى لتحقیق عوائد أكبر.

الأفق الزمني Time-Horizon

یظهر التعارض بین المساهمین وبین الإدارة على موضوع توقیت التدفقات النقدیة. فالمساهم یهتم بجمیع التدفقات النقدیة المستقبلیة للشركة لأنها تدخل في معادلة تقییم السهم، بینما تهتم الإدارة بالتدفقات النقدیة للشركة خلال فترة إدارتها. وهذا یدفع الإدارة للإهتمام بالعوائد قصیرة الأجل على حساب الإهتمام بالإستثمارات المجدیة طویلة الأجل.

عدم تماثل المعلومات information asymmetry

نظراً لأن المساهمین لا یملكون جمیع المعلومات المتوفرة لدى الإدارة، فإن هذا سیسبب عدم تماثل المعلومات بین الإدارة والمساهمین, وقد یمنح الإدارة مجالاً واسعاً للتحرك بدون علم المساهمین بحیث تستعمل معلومات لتحقیق مصلحتها الشخصیة حتى لو تعارضت مع مصلحة المساهمین.

تكالیف الوكالة Agency Costs

تتضمن مشكلة الوكالة على تكالیف تسمى بتكلفة الوكالة(Agency Costوهي عبارة عن التكالیف الناتجة عن التعارض بین مصالح المساهمین ومصالح الإدارة. وهذه التكالیف قد تكون تكالیف مباشرة أو تكالیف غیر مباشرة.

التكالیف المباشرة

وتتضمن هذه التكالیف نوعین أساسیین هما:

  1. التكالیف التي تدفعها الشركة وتكون لمصلحة الإدارة وعلى حساب مصلحة المساهمین، ومن هذه التكالیف قیام إدارة الشركة الجدیدة بتغییر مكاتبها وتجدید أثاثها والذي یعتبر نفقات تتكبدها الشركة دون مقابل.  
  2. النفقات الناتجة عن الحاجة لمراقبة الإدارة والإشراف علیها: ومن هذه النفقات أتعاب مدققي الحسابات وتكالیف الرقابة المالیة في الشركة وغیرها.

التكالیف غیر المباشرة

وهي عبارة عن الفرص المربحة التي فقدتها الشركة نتیجة إحجام الإدارة عن الإستثمار في مشاریع مربحة. فمثلاً قد ترفض الإدارة الدخول في إستثمار یحقق عوائد مرتفعة بسبب خوفها من تحمل المخاطر الناجمة عنه، وهذا یضیع على المساهمین فرصة تحقیق هذه العوائد.

آلیات الموائمة بین أهداف الإدارة وأهداف المساهمین

من خلال مناقشتنا السابقة لمشكلة الوكالة والتكالیف التي تترتب علیها، ونظراً لأبعاد هذه المشكلة وانعكاساتها الكبیرة على الشركات، فقد تم صیاغة مجموعة من الآلیات التي یمكن من خلالها إرغام الإدارة على تحقیق أهداف المساهمین. وتتضمن هذه الآلیات على مكافآت الإدارة والرقابة على الشركة.

مكافآت الإدارة Managerial Compensation

یمكن جعل الإدارة تسعى لتحقیق أهداف المساهمین والمتمثلة بزیادة القیمة السوقیة للأسهم من خلال:

ربط مكافآت الإدارة بالأداء المالي للشركة بشكل عام، وسعر السهم على وجه الخصوص. حیث أن ذلك من شأنه أن یدفع الإدارة لتحسین مؤشرات الأداء والسعي لتعظیم قیمة السهم لأنه سیصب في النهایة في مصالحهم الخاصة ویحقق لهم مكافآت أكبر. ومن الممكن أن یتم جعل المكافأة السنویة للإدارة على شكل أسهم بدلاً من المكافآت النقدیة مما یقرب بین مصالح الإدارة والمساهمین.

رقابة الإدارة Management Control

یمتلك المساهمین قدرة كبیرة للرقابة على الإدارة ومن عدة نواحي. فالمساهمین هم الذین ینتخبون مجلس الإدارة والذي یقوم بدوره بتعیین الإدارة والرقابة علیها. كذلك یمكن لصغار المساهمین تجمیع أصواتهم مع بعضهم البعض من خلال توكیلهم لوكیل یقوم بالتصویت نیابةً عنهم، وهو ما یسمى بصراع الوكیل (Proxy Fightحیث ان الوكیل یصوت بالنیابة عن عدد كبیر من المساهمین وبالتالي فإن صوته من شأنه أن یؤثر بشكل كبیر، وفي هذا الحال فإن خشیة الإدارة من القوة التصویتیة للوكیل وما یمثلة من مساهمین ستدفعها لتحسین أدائها. وهناك أیضاً خشیة الإدارة من مخاطر الاجتیاح والتي تتم في حال كان أداء الشركة ضعیفاً وأسعار أسهمها منخفضة، حینها قد تقوم شركة أخرى بشراء عدد كبیر من أسهم الشركة بسعر زهید،وهذا قد یمنح تلك الشركة قوة تصویتیة كبیرة قد توصلها لمنصب رئاسة مجلس الإدارة، وحینها من الممكن أن یتم الإستغناء عن خدمات إدارة الشركة الحالیة وإحلالها بإدارة جدیدة كفؤة.

اقرأ ايضا :

حوكمة الشركات ونظریة الوكالة

تعریف حوكمة الشركات

أهمیة حوكمة الشركات وتطورها

عوامل ومحددات تطبیق حوكمة الشركات

معاییر وقواعد حوكمة الشركات

مبادئ حوكمة الشركات

الإطار المؤسسي لحوكمة الشركات

إنعكاسات تطبیق حوكمة الشركات على جودة المعلومات المالیة والمحاسبیة

الإفصاح وحوكمة الشركات

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد